بيــن حــافتـي الجـــرف

 

    قد يكون الحدث الأكبر في حياة الرجل, أن يعشق امرأةً لم تتجرد من ثوب القبيلة. ولم تؤهلها الحياة أن تختار من يقبع خلف حدود المسافة ويتربع على عرش الجنون , في آفاقٍ مستحيلة قد خلقها لنفسه .

   تقول له أحبك, وكأن العقل لا مكان له في اللحظة, وحين تدرك وجع الحواجز يتغير لسان حالها, يحضر الكثيرون يُغطّون الأفق عن عينيها, يسرّبون أنباء المستحيل إليها, تخبره بما سمعت, وبمن انضم لفريق الساعين لخَطْب ودّها, ومن دقوا أبواب قلبها ولم تعطهم الإذن بعد.

يصمت والقهر سيد المكان.

   المسافات البعيدة تجعل الريح أسهماً من نار تسافر في القلب.

يعاتبها حين يفيض به الجرح فتقول : لا تخف , لا شيء يمنع أن أتفرج على الأشياء ولا أشتري , تلك أشياءٌ لا أقتنيها ولكنها للبيع, وما بيننا ليس  يُشترى ولا يباع  .

فيصدق قولها ويتناسى النزف , فتوقظه سيول الرحيل ..

تفتك بما تماسك من حبٍ على حافتي القلب . نعم , هو القلب كالجرف , يحطم الحب جدرانه كما يفتك السيل بحافتي الجرف ..

والسنون تمرُ وما زال الطفل يسكنه , لا يدرك المسافات , يركض  كالوقت  لا شيء يكبح جماحه .

    كبرت معه الريح وسافرت فيه الحروف .

    انطوت برفقته الأيام  وبقي طفلا رغم الكهولة , لم تغيّر الشعرات البيض التي غزت فوديه معالم هواه , ولا غيّر الزمن ملامح وجهه الحزينة .

   ورغم كل شيء يمضي الوقت , والحب قابع في القلب , لا هو ميتٌ فيُنسى , ولا هو حيٌ فيستعان به .

   وتُجْمِع الألوان في عينيه  على القتامة , كأنها شمسٌ تصرُّ على  غروبٍ أخير .