حوار مع الكاتبة المغربية مالكة عسال
أجرى الحوار الكاتب / شجاع الصفدي
الأدب والكتابة رسالة الإنسانية التي يحملها أصحاب الفكرة , رسل الكلام واللغة
وما نفعله في حياتنا هو ما يُبقى الأسماء خالدة , لا شيء لنا يبقى خالدا سوىالكلمات والفكرة التي تجعل من نهجنا طريقا يسلكه الباحثون عن الحقيقة وعن النور ..
وحتى نكون شركاء في إضاءة وتنوير ممرات الحياة علينا أن نسافر فيها ونخوضالعتمة لنصل للنور
ونبحر في الشك لننال اليقين ...
وسفرنا اليوم عبر طريقشقته أديبة مغربية ذات نكهة مثيرة للجدل رغم الهدوء الذي تمتاز به روحها إلاأن صخب قولها يثير خلفه عاصفة , فتثور ثائرة الظلاميين الذين لا يعجبهم شروق شمسالحقيقة فيخطئون التقدير محاولين حجب الشمس بغربال فتسقط عبثا محاولاتهم
الأديبة المغربية مالكة عسال أرحب بكِ أولا
مالكة عسال
- الاسم سيد نفسه دون ألقاب يوصم بها أو أوصاف تلصق به
قولٌ أؤمن به , فما رأيك ؟ أيكفي الاسم ليقولكِ بالهيئة التي تحبينها لنفسك؟
ولى زمن كان فيه المبدع أو الاسم هو المعني لدى الأدباءوالقراء عامة ،والنقاد خاصة ،وأصبح اليوم العمل الإبداعي هو سيد الموقف،يعطي الهيئةلنفسه قبل صاحبه،أي أن الإبداع في الواجهة وصاحبه وراء الباب الخلفي،واسم مالكةعسال لا حضور له، بل إبداعها النابض النابع من الصدق والذي يترك الأثر في نفسيةالمبدع .
- وعلى ضوء مالكة عسال
لو قلنا الكاتبة المثيرة للجدل مالكة عسال
هل يزعجك هذا الوصف ؟ أم أنكِ ترين أن إثارةالجدل هو الطريق للوصول لحقيقة الكلام وسبر لأغوار المنطق؟
أبدا لا لن يزعجني لم لان القارئ أذكى من المؤلف نفسه ،وهو يستسيغ الكتابات الإبداعيةبثقة كبيرة في نفسه ،وأنا أثق فيه ،وفي شهاداته وألقابه للمبدع ..هذا من حافة ،ومنحافة أخرى فالجدل بكل خاصياته ،يفتح القميص عن أفكار جديدة ،ومتنوعة مما يثريه ..لذا ترى في ندوة ما أو محاضرة تذيل بالجدل والنقاش... ما ينبغي التأكيد عليه هوالنقاش المنطقي دون تحريف أو تزوير ،أو إضافات مشوهة تُنسَب للكاتب وهو بريء منها ..
- أين أنتِ ؟ أين ترى مالكة عسال نفسها علىخارطة الأدباء في العالم العربي عامة والمغرب العربي خاصة ؟
مالكة عسال كذاك القطار الذي أثبت عجلاته على السكك ،وانطلق يسابق المراحل ،وكأنها تريدتعويض ما فات بحرق اللحظات ..فمهما قطعت من أشواط فحين تمعن في التجارب ،تجد نفسهاتحت السفح ،وعليها أن تسابق الريح لتمسك بقافلة الأدباء وتستل من بينهم نصا أونصوصا جميلة ..ومرآة القراء أو الأدباء أو الجمهور عامة هي التي تنضاح عليها تجربةمالكة عسال ،وآراؤهم بالتحديد ،هي التي تضع إبداعها داخل إطار، أو خارطة الأدبعربيا أو عالميا ...
- وزارة الثقافة المغربية , ماذا تقولين للقائمين عليها ؟
باختصار شديد أقول لها:- يا أم الثقافة ،افتحي شرفاتك للمبدعين: الشباب خاصة ،فمخطوطاتهم حبيسة الرفوف ،ليخرجسوسنها إلى الحدائق،ويشم المتعطش للحرف عطرها ... فما مهمتك إن لم تفعلي؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- دعمي بعض المؤسسات الثقافية الجادة ،التي تنحت من جلدها ركنا ثقافيا،يستمع فيه الأدباء لهسيس أوجاعهم ...ولكن هل لها آذان صاغية؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- المغرب العربي يعج بالأدباءوالشعراء والمجتهدين الطامحين أيضا
ونلاحظ أن شبكة الإنترنت باتت قِبلة هامةيُيّمم هؤلاء وجوههم نحوها لنشر كتاباتهم والتعبير عن آرائهم ولم يقتصر الأمر علىمجالات الأدب بل تخطاها لمجال السياسة و نقد الدولة والتعبير عن الرفض لما لا يرونهمناسبا لمصالح البلاد , كلٌ حسب رؤيته الخاصة طبعا. .
هل هذه التوجهات من وجهةنظرك تخدم التطور الثقافي من جهة والتعبير الديمقراطي من جهة أخرى ؟ أم أنها لاتعدو عن كونها فقاعات مرحلية سرعان ما تتلاشى إما تلقائيا أو بسيف السلطة؟
الانترنيت عالم افتراضي ،أتى بأشياء هامة ومفيدة ،أولهاجعل العالم كله بملكوته ،بإنجازاته ،بتناقضاته ،بخبراته في قبضة يد ...بلمسة أيقونةيقول لك :العالم كله بين يديك،وعليه فللمبدع الحرية المطلقة التي هي شرط من شروطالإبداع لتداول ما في وجدانه ،وإعلاء صيحته شاجبا أو رافضا أو معلقا أو منتقداوضعيات أو ممارسات مقلقة ،دون حسيب أو رقيب ..ففي رأيي هذه المبادرة لا تخدم التطورالثقافي فحسب ،بل والتعبير الديمقراطي بحرية يطال الجوانب الأخرى الاجتماعيةوالسياسية والفنية وما شابه ذلك
- في ظل الترهلالثقافي الحالي في الوطن العربي تجري محاولات من بعض الأدباء والناشطين في مجالاتالفكر والثقافة من أجل التغيير ومن أجل إحداث حراكا ثقافيا , وهناك من يكتفونبالتفرج على ما يدور دون التدخل لإصلاح ما يفسد , فهل تعتبر مالكة عسال نفسها منالمتفرجين على الانتهاكات بحق الثقافة العربية ؟ أم أن مالكة بصفتها الشخصية كأديبةتسعى وتطمح لإحداث تغيير ما , وما هي الفعاليات التي تقوم بها مالكة عسال في هذاالاتجاه وما مدى النجاح الذي تحققه ؟
فعلا أتفق معك أن هناك منيحترقون، ينفقون وقتهم وأموالهم ويحرقون أعصابهم و مجهوداتهم، من أجل إنجاز ثقافييلتحم تحت ظله المبدعون ،دون تسطير أهداف بغرض الشهرة أو الربح المادي ،بينما فيالناحية الأخرى من يقفون ليس للتفرج فحسب أو للإصلاح ،بل أحيانا يتدخلون بنية الهدم ..أو يضعون أمامك حجر العثرة ،ليوقفوا سير الحراك الثقافي ،وهم ينتشوناللعبة/المهزلة ،وأنا يثقل لساني عن تصنيف ووصف هذا النوع من السلوك ..
وأنا كشبه أديبة أنبذ مثل هذه السلوكيات المشينة ،لأن مسألة إلحاحي في تدبير أجدى اللحظات ،يعانق فيها الأدباء صوت الجراح في لحمة واحدة ،ينصتون فيها لدبيب المشاعر في توحدمطلق ، لتجري في دمي، وأسعى إليها عن طواعية ،بل وأركب أنفي في وجه كل التحديات،لتكون تطبيقات الحراك الثقافي ناجحة ومتميزة ،وفعلا فكل الأنشطة توجت بنجاح باهر،وأعطت أكلها بما يرضي الضمير ونية العمل ..
والنجاح الذي حققته وأنتشي لذاذاتههو مكسبي الكبير لجمهور طويل /عريض داخل الوطن وخارجه ، يحب مالكة عسال ويقف معهافي محنها مساندا ،أو في تظاهراتها مشجعا ومدعما ..فأقيمت دراسات حول أعمالي ،وأقيمتمعي حورات ،وكُرِّمت في أكثر من منبر ،وترجمت أعمالي ....
- بين قوسين " الصحافة " , السلطة الرابعة , يراها البعض مهنة النزاهةوالحقيقة و يراها آخرون أنها مهنة الكذب والتلفيق والدسائس والفتن , فمع أي الرأيينتتفق مالكة عسال ؟
هناك مثل قوي نتداوله اليوم، نحن المغاربةإرثا عن الأسلاف ،وهو أن الإنسان "حجر وطوب"والمقصود به الإنسان المتصلب /العنيدوالمرن ..أو الشديد /الصلب واللين ..أو الخبيث والطيب، ونعني بذلك الذميموالقبيح،أي الشيء ونقيده ،إذن لا يمكن أن نعمم أيا من القولين على الصحافة برمتها،فهناك الصحافة المتميزة والجادة التي تحترم أخلاقيات المهنة ،ولا تتعدى الخطوطالحمراء ،تحافظ على أمانة المقال دون تحريف أو تشويه أو تزوير ،وفي المقابل يوجد منالصحفيين ،من يركبون لقب الشهرة بأساليب مغلوطة ،ضاربين في العمق مبادئ العملالصحافي بقلب المفاهيم ،أو تشويه المقال أو الحذف والإضافة بنية مبيتة هدفها الإثارة وخلق الجدل ،وهذا لعمري قمة الرداءة في العمل ...
- هل ترين في صحافتنا العربية سبيلا لدعم الثقافة والفكر والمبدعين أمأنها قد تكون أحيانا وسيلة لهدمهم ؟
كما سبق في السؤال آنفالذكر الصحافة لا تسير على خط واحد من أجل بناء المبدع ،كما لا تسلك مسارا موحدا لهدمه ،،فهي كما أكرر متفاوتة في العمل ،حسب الضمائر المهنية وجدية العمل ،ونوعيةالأساليب المنتهجة والأهداف المرسومة
-حسنا , وعلىضوء حديثنا عن الصحافة , هل اصطدمت مالكة عسال بالصحافة بشكل سلبي من قبل؟
مالكة عسال فعلا سبق أن تعرضت لموقف محرج فيالصحافة الافتراضية (الانترنيت ) ،بإثارة موضوع من طرف شاب، بين قوسين لاداعي لذكر اسمه ،ولا نوعيةالموضوع ،لأنه بكثرة استهلاكه أصبحتُ أخجل من طرحه ،ومن حافة أخرى، احتراما للصحافةالجادة ،التي بكل آلياتها الإذاعية والتلفزيونية والورقية وحتى الافتراضية، أعطتلمالكة عسال حقها الإعلامي بكل احترام وتقدير، حسب ما تستدعيه المهنة الصحفيةالحقيقة ،ومن هذا المنبر أحييها وأكن لها كل التقدير ...
- ما السبب؟
السبب يبقى لدى الصحفي في اختيار الموضوعبالذات ،والخلفية من ورائه في توجيهه لمالكة عسال بالضبط؟
- أهنالك ما تقولينه للصحفيين الذين يمتهنون حرفة اختلاق الأخبارالمزيفة ؟
أوجه قولي ليس إلى الصحفي في اختلاق الأخبار الكاذبة ،بلإلى كل من ينتهج أساليب مغشوشة في العمل ،للوصول، أو لتحقيق الاسم في أي ميدان كانبطريقة وصولية ،أن يتحلى بالعمل الجاد ،والحرص على الصدق فيه ،لأن أساليب الحيلوالمراوغة والكذب تفجر الأمر ساعته ،وبعده يتحول إلى رماد تدهسه الأقدام ،والعملالصادق هو الخالد في النفوس ،وهو الذي يرقى بصاحبه إلى أعلى مستوى،دون تملق أوتزييف أو غيرهما ،ما يدخل في سياق العبث بالعمل ...وهناك أمر آخر يجب أن أضيفهبإلحاح ،وهو أن وراء كل منا وكل عمل ، تاريخ يسجل ،ولا تنفلت منه أدق دقائق الأشياء،يدون ولو ذرة واحدة إيجابية كانت أو سلبية ....
- هل توجد فعلا صحف صفراء ؟
بل أقول ذابلة أو جثثا هامدة ، بعض مقالاتهاتصيب القارئ بالغثيان ،وفي المقابل تجد أخرى نابضة تتناول بعض المواضيع في المجالاتالسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية سواء خارج الوطن أو داخله ،بشكل موسعودقيق يشبع نهم القارئ ..
- حسبما أرى من خلال حديثك عن الصحافة الصفراء والصحف المقيتة , أشعر أنكِمررت بتجارب مريرة مع هذه النوعيات من الصحف خلال رحلتك كأديبة , وهذا أمر مفروغمنه , فجميع الأدباء والكتاب والمبدعين لهم تجارب مع الإعلام تتباين من شخص لآخر ..
فما هي التجربة التي مرت بها مالكة عسال مع الصحافة وتعتبرها تجربة مريرة تتمنىلو أنها لم تمر بها ؟
أنا حين أمر من مشكلة تكون خطوة ماسة لقصّ بعضأوراق الخجل من مالكة عسال ،وتزويدها بشحنة من التحديات ،وحين أركب شط التجاوز،لا أعود إلى الخلف إطلاقا لمضغ بصورة استهلاكية حيثيات الذي مضى ،بل أردمها في قبرمنسي تماما ،كي لا أنبش الرمل عن الألم مرة أخرى ،كما أضع أو أختلق لها أسباباوتبريرات واهية أنسبها إلى أنها هي المفجرة ،كي أهنأ براحة بال...
- في سياق آخر , يردد البعض من أعداء المرأة أنه لا يوجد شيء إسمه أدبأنثوي , وأن النساء اللواتي يمارسن الكتابة هنّ مجرد هاويات يطمحن لإثبات وجودهنّفي مجال لا يليق بهن , مع أن هنالك الكثير من الدلائل التي تجزم بعكس ذلك إلا أنهذه الأصوات لا تقتنع ...
ما هي ردة الفعل التي يجب أن تكون لدى الأديبات منالنساء على هذه الفئة التي تحارب نجاح الأدب الأنثوي ؟
الأدب الحقيقيالناجح لن ينثني لأية عاصفة حربية ،إن كان للمرأة أو للرجل ،والأديب يجب ألا ينتبهلمثل هذه التشويهات والتشويشات التي قد تنال منه أو تُصِبه بالإحباط ،بل عليه أنيتجاوز ،ويركب معارج التحدي راكضا نحو نصوص أرقى ،وأقول بعبارة أخرى كإضافة الضربةالتي لا تقسم الظهر تقويه...
- وماذا تقول مالكة عسال كأديبةلهؤلاء وكيف تبرهن بشكل منطقي أن الأدب لا يمكن أن يكون ذكوريا بحتا حتى وإن كانالمجتمع ذكوريا ,ولكن بعيدا عن المثالية في القول , أتمنى أن تصارحنا الأديبة مالكةعسال بحديث واضح وصريح في هذا الشأن ؟
أنا فعلا من الذين يقرون أنه لا وجودلإبداع أنثوي ،ليس من باب انعدامه ،ولكن من حافة تفرقة الأدب إلى إبداع أنثويوآخر ذكوري ،أنا فعلا أحتار في هذه التفرقة ،حين أدرك تماما وعن اقتناع تام، أنالكتابة هي إفراز مشاعر وقلق ،وأفق معرفي يمتلكه الأديب كخزان ،وطريقة الحبك،وتناول التيمات ،الشيء الذي تتقاطع فيه المبدعة والمبدع ،في بعدها التام علىالجانب الفزيولوجي ،كما تتقاطع فيه المبدعة والمبدعة ،والمبدع والمبدع ، حيث يحصلالتمايز بين إبداع وآخر انطلاقا من هذه الخاصيات..
- تتهم بعض الأقلام وزارات الثقافة في الدول العربية واتحادات الكتاب بأنها تحابي الأديباتالنسوة على حساب الأدباء , ولكل شيء ما يقابله من ثمن ..
هل هذه الأقلام تعنيما تقول أم أن هذا يدخل برأيك ضمن الحرب المعنوية ضد الأدب الأنثوي ؟
أنا لا أنتبه إلى هذه الأشياء ،أجدها مضيعة لوقتي ،فالوقت الذي أنفقه فيتدقيق هذه المواضيع ،وبحثا عن أدلة تثبت ما تفعله الوزارات الثقافية واتحاداتالكتاب للأدب النسوي ،يستحسن إنفاقه في تناول كتاب جيد، أو في نص راق أقرؤه ،أوإبداع نص، أنا أومن بشيء واحد ،وهو أن الأدب الصحيح الراقي مهما كان مغمورا،أو مهمشا ،سيأتي عليه حين من الدهر فتطلع شمسه ،والأدب الفارغ للرجل كان أم للمرأة،مهما نفخت في صوره جهة معينة ،سيهوي ...
- هل حقا يمكن لمسؤول فيمكان هام كوزارة الثقافة في أي بلد كان ,أن يقدم مساعدات معينة لأجل إشهار أديبةأنثى مثلا لأي غرض كان ؟
أخي المحترم تمنيت لو ابتعدت عن الأنثى قليلا،لأن الخشونة من طبع بعض البشر في أي مجال وفي أي عمل ، ومن طرف الجنسين معا ،فكممن رجل اعتلى مناصب بطرق مغشوشة في الانتخابات ،وكم من آخر أكل أموال الشعب بتحايلوتزوير ،وكم من غيره تملص من ضرائب بالصداقة والزبونية ،فهذه السلوكيات ليست فيالأدب وحده ،وليست من شيم الأنثى وحدها ،بل للذكر حظه أيضا في الغش عن طريق الصداقةوالزبونية ،للظهور على مسرح الأدب بطرق غير لائقة ،وإشعاع اسمه إعلاميا أو بتوقيعاتوما شابه ذلك
- سيدتي , أنا لا أناقش الأنثى بحد ذاتها بل أناقش أمرا واقعاينطق به لسان الحال في الوسط الثقافي العربي , ولا يمكننا أبدا التغاضي عن ذلك أوالاكتفاء بالحيادية على الأقل من جانب أصحاب الشأن ألا وهم الأدباء من الجنسين .. نحن نواجه ظاهرة سيئة لا بد من الالتفات إليها قبل أن تستفحل أكثر وتودي بالأدبالعربي إلى ما لا نتمنى ..
وتجاوزا لهذه النقطة في حوارنا دعيني أسألك عن مكانقلمك من السياسة , أو بشكل آخر حددي موقع مالكة عسال من القلم السياسي وهل تؤمنبدورها كأديبة في التأثير على السياسة لتلائم الشعب ؟
ألا يحمل الأدباء رسالتهممن أجل الجمهور ؟
إذا كان المبدع جادا في عملهالإبداعي ،وله صلة حميمية بالإنسان حسا ووعيا ،خاصة بالأوضاع المزرية ،ويتغلغل فيبعدها رافضا شاجبا مسبباتها انطلاقا من موقف ما،فالمبدع بصورة أو بأخرى يمارس ضمنيافعلا سياسيا ...ومالكة عسال ملتصقة بهموم الإنسان اليومية والمرحلية ،فهي إلى جانبمن طاله التهميش،تساند من يعيش تحت عتبة الفقر ،تصرخ مدعمة من تدهسه آلة الظلمالجهنمية ،تندد مُحَرّضة مَن سُلّ بساطُ وطنه من تحت أقدامه ،تواسي من يلعق طميالغربة عن طريق النفي أو التهجير ،أو أحيط بأسلاك الحصار ...
- لا بد وأنهم أيضا يشرعون تلك الأقلام لتكون إشارة التوقف حين يخطئالساسة بحق الناس .. أم أن الأدب لا دور له في ذلك برأيك ؟
الأدب كلمة، والكلمة نهضت بها أمم وسقطت بها أخرى ،الأدب صرخة قوية في وجه المعتدي ،في وجهالواقع الضحل ،يعري عن تورمات ملوثة ،تلحق الأذى بالإنسان،يكشف عن جبروت بعضالمتسلطين، الذين يتلاعبون بالكرامة والحقوق الإنسانية ، ليقروا مصالحهم ،بامتصاصالدم في أنانية صارخة مطلقة .ودور الأدب يكمن في نشر ثقافة الوعي بالحقوق والواجبات،وغرس شوكة النضال في نفوس المظلومين ،ودعوتهم للذود عن حقوقهم وانتزاعها بقوة ..
- في الكتابة هنالك دائما أنماط جديدة , كأي شيء آخر قابلللتحديث , هل هذا الكلام صحيح ؟
الإنجازات الإنسانية برمتها في أي مجالمن المجالات: الاجتماعية والسياسية والثقافية ،خاضعة لسيرورة تاريخية في ماديتهاالجدلية المستمرة /إنشاء الجديد على أنقاض القديم ،من خلال إيجابيته طبعا ،وإلاتوقف التطور ،وأصبح الدوران داخل حلقة مفرغة ،والكتابة إنجاز إنساني يسري عليها نفسنمط التحديث ،وإلا بقيت متردية ،وخاضعة لكل ألوان الجمود ... لكن التحديث دون أنتقطع حبلها السري مع الجذر/الأصل ،أي لابد من خيوط رفيعة جدا من القديم يحملها فيطيه ،وإلا اتصف بالغرابة والبرانية ...
- وإن كان صحيحا هل ترىالأديبة مالكة عسال دافعا لدى من يهاجمون أي نوع جديد من الأدب ويعتبرون أن القديمهو الأصالة اللغوية دون غيره ؟
الأمر عاد جدا ،حين يضرب الجديد أطنابالقديم تكون صاعقة كبرى
على المتشبثين بالقديم ،ومهما كان التصلب والتعصبفالسيرورة التاريخية المفروضة ،تجبرهم على الرضوخ شاؤوا أم كرهوا، قد يتراجع البعضعن مواقفه ويلتحق بالركب ،وقد يتعنت الآخر لرأيه ما يؤدي به إلى العزلة ..حتى إن كانالبعض يهاجمون الجديد تحت يافطة القديم هو الأصالة اللغوية، فلا أرى هذا مبرراصحيحا لسببين:
1- أن اللغة العربية سابقا لم تكن مطلقا ضد التيارات الفكرية ،بلعانقت المنطق الأرسطي ،وصافحت الفارسية ،وعلقت بتلابيبها ألفاظ غريبة ،ولم تتغيرأصالتها ،بل على العكس كانت تتجدد باستمرار ،مع الحفاظ عليها ...
2-اللغةالعربية كسائر اللغات قابلة للتجديد واحتضان مصطلحات جديدة من كل فروع المعرفة دونأن يحدث خلل بها أو بأصالتها ...
- القصة , أدب المسرح , الرواية،الشعر , النثر , السرد, المقال , غيرها من الأنماط الأدبية المختلفة
لمالكة عسال تجارب أدبية مختلفة , لربما في معظم ما ذكرت, أين ترى مالكة عسال نفسها ؟
مالكة عسال تجتاحها ثوائر إبداعية لا تختارها بنفسها ..
فهي تمسك آلتها المجهرية التأملية بكل ما تملكه من حدس ووعي ،لأرجاء الكون في بعديه الطبيعيوالإنساني ،وحين تقف على ظاهرة تستفزها ،وتقلب مواجعها ،ترتعش ،تقلق ،تتوتر ،تطفئلهب الانفعال في الورق ،فيخرج قصيدة، أو قصة ،أو أغنية طفل ،أو مسرحا، أو رسماكاريكاتوريا ..
- في أي تصنيف من هذه التصنيفات تعتبر أنها تقدمأدبا متقنا وإبداعيا أكثر من الأنماط الأخرى ؟
هذا الإجراء يبقى للجمهورعامة ،وللقراء خاصة ،وللنقاد على وجه التحديد ..ولن أقَيّم عملي بنفسي حتى لا أركبجسر النرجسية ...
-وهل التصنيف يهم مالكة عسال ؟ أم أن الأهم هوطبيعة ما تقدمه سواء سميت قاصة أو كاتبة أو شاعرة أو أي شيء آخر؟
التصنيف كما قدمت له مالكة عسال مقاربة تفسيرية سابقا ،لم يكن اختياريا،ومالكة عسال حين تبدع لا تؤطر إبداعها داخل إطار ما ..
لا تنتبه للتصنيف
لا تكتب تحت الطلب
بل تمسك كالجندي المحارب خيط الإبداع ،تراوده لتصل إلىالنهاية ،والخيط يتمدد ،ومالكة عسال تركض ترمي خلفها أكوام السرد والشعر وغيرهما،بطريقة عفوية حسب اللحظة الضاغطة ،وتوازي الإبداع بالبحث والقراءة كي تنتج نصوصاجيدة
- الأديبة الكريمة مالكة عسال
من خلال تعايشك مع الوسط الثقافي العربي والمغربيهل يمكن القول أن هذا الوسط يعاني ترهلا ؟
وبصيغة أخرى هل نحن الآن في هذهالحقبة الزمنية نعيش نهضة ثقافية أم انتكاسة من وجهة نظر مالكة عسال_ وحبذا لو فصلتِ لنا وجهة نظرك بإسهاب_ ؟
الثقافة إنجاز إنساني تستند على الإيمان بحريةفكرية ،ولهل دور تنويري تغييري في مواجهة نظام الحكم من جهة ،وتعرية أوضاع الواقعالمعاش وفضحه من جهة أخرى ،غير أنها تعاني الأمرين :إما مواجهة نضالية وتحمل تبعاتزجرية ،أو السكون وهذا ما يؤدي بها إلى الترهل نظرا لعدم الوفاء بدورها ..وكجانب آخر فبعض مجتمعاتنا تعاني من قهر مدقع فعوض شراء كتاب لتغذية العقل ،يجب شراء رغيفلتغذية البطن أولا ...فباختصار شديد لكي تعيش الثقافة نهضتها ،يجب نشر وعيها بينكافة شرائح المجتمع ،انطلاق من المدارس ..ثم رفع الرقابة السياسية والاجتماعية،وإقرار حرية التعبير ودمقرطتها بشكلها الصحيح ....لكن ورغم كل المعوقات والإكراه، فالساحة الثقافية شهدت مؤخرا تقدما ملحوظا عما كانت عليه سابقا ..حيث تضاعفتالإصدارات ،وعجت المكتبات العربية بالعديد من المؤلفات في مختلف المجالات ..كماأنشئت عدة مؤسسات ثقافية تراهن على اللقاءات والملتقيات والمهرجانات الثقافية ممايبشر بالخير ..
- انتشرت في الآونة الأخيرة حمىالروايات والكتابات العربية التي تميل للإباحية وتدخل ألفاظا جنسية حساسة وكأنالجنس بات عاملا للنجاح في وفرة التوزيع والانتشار للروايات والكتب! ..
هلتعتبر مالكة عسال هذا التوجه سلوكا شاذا وخارجا عن الخلق الأدبي أم أنكِ تؤمنينبحرية التعبير حتى وإن تجاوزت أي حدود ؟
الجنس هو أسمى العلاقاتالإنسانية تتويجا للحب ،وحفاظا على النسل ، موضوعه مذكور بالتفاصيل في القرآنالكريم ،وفي بعض الأحاديث النبوية الشريفة ،وفي بعض دروس الدين ،وتشخصه الكتبالطبية والعلمية ،ويُدَرّس لأطفالنا في المدارس ،فهو ظاهرة إنسانية أساسية للبحثفيها، والتحليل والتركيب للوصول إلى حل بعض الغموض فيها ،أو لوضع أساليب وقائيةلتخطي أمراضها الفتاكة ،نتيجة ممارسة الجنس بشكل عشوائي ،وكم قُدّمَت نصائح طبية فيهذا الباب لمراهقينا الشباب ..لكن ما ينبغي الإعراض عنه ،أو بعبارة أخرى أنا ضده جملةوتفصيلا ،هو تسمية الأعضاء أو التعبير عنها بمسمياتها ،أو تتداول بشكل سوقي دونخجل،فيستحسن تقديم المواضيع بلغة محترمة عربية فصيحة ...
-من جهة أخرى اتجه بعض الكتاب من بعض دول عربية يقيمون في أوروبالانتقاد مجتمعاتهم وإظهار عيوبها وفضح ما يدور فيها من خلال كتب ومقالات صحفيةودراسات وأشعار وروايات وغيره من أساليب , فهل ترين في ذلك ظاهرة جيدة لمحاربةمساوئ المجتمع في دول هؤلاء أم أن الأمر لا يعدو عن كونه مآرب للشهرة من طرفهم علىحساب تشويه صورة شعوبهم أو على الأقل المبالغة في تصويرها كمجتمعات مغرقة في الجهل؟
وهل واقع الدول العربية مستور؟ فأقنعته ساقطة ووجهه مكشوف،ووسائل الإعلام تلعب دورها اليوم ،وخاصة الانترنيت بشكل قوي ،للاطلاع على الخفيوالجلي ،وتعرية الأوضاع في كل المجالات ،بتحليل مطنب يقف على أدق دقائق الأشياء،ومع ذلك لا أسمح لأي عربي ،أن يشوه سمعة بلده في أوروبا لعدة اعتبارات :
1- أولها تحقير أوروبا لشخصه باعتباره عنصرا لا غيرة له على بلده ..
2- فتح منافذ لأوروبا لاستفزاز العرب ،وأخذ نظرة قبيحة أو تكوين صورة مشوهة عليهم ...
3- لا داعي لتشويه صورة العرب لدى الأوربيين ،لأنه لا أحد يأتي بالحل لأوضاع العرب ،غيرالعرب أنفسهم
في الختام بمَ تذيّل مالكة عسال أعمالها , أهناك فلسفة معينة تنتهجها في الكتابة ؟
أكرر ولادتي لأطرد طيور الشؤم .
لو عرفت أن مخالب الذئب متجهة نحوي لغيرت المكان.
أيها المثقف إن لم تغير الثقافة سلوكك فأعلم أنك لست مثقفا
تلك مقولات أحب أن أذيل أعمالي وكتاباتي بها ومن خلال فلسفتها هذه أعبر بحر الكتابة.
الأديبة الفاضلة مالكة عسالفي ختام حوارنا لا يسعني إلا أن أشكرك على
هذا الحوار ونتمنى أن تنجح الكلمة في أن تكون رسولا من أجل الحق والفكر والحضارة والحرية .