لقاء مع الشاعر الفلسطيني شجاع الصفدي

أجرته/ أمينة سراج

مترف بالحزن ..
مترع بالإنسانية ..
مسكون بالصمت ..
وعاشق سري للجنون ..

روحه القابعة على شفا غموض تستفزك لعميق الغوص ..
وذاكرته المغلقة علىوجع باذخ تستنبت في داخلك هَمّ الأسئلة ..

البياض عنده ترياق،
والكلماتسم يستوطن روح الشاعر ..
وبين تفريغ سم لادعاء الحياة.. وبياض ورقة لوهم الشفاء،
يصل ضيفنا سماء الشعر، حاملا في كفه قلبا متوحدا .. متأبطا جرحا وقضية .. ومتكئا على حجر، لم يزل بعد ..
يشبهه .. !!

مرحبا بالشاعر الفلسطيني شجاعالصفدي في لقاء أدبي، نتبادل الأدوار فيه قليلا، لنسرقمن الزمن لحظات تواصل إنساني، ندري مسبقا - برونقه وحده، تفرده ..

 

 *** شكرا أمينة لهذه المقدمة الباذخة .. ولاشيء بجعبتي إلا ما ورثته عن ذاتي .
فليكن بين يديكم إن كان فيه ما يستحق ..

:- لنذهب إلى حيثالبداية، " الطفولة ، هي باقة روائح" كما يقول لويس شادورن،
طفولة الإنسانالفلسطيني المعجونة برائحة الرصاص والدم، كيف يستعيد شجاع الصفدي روائحها السريةالتي شكلت كيانه الإنساني أولا، ثم الشعري؟

*** عند التحدث عنالطفولة نمعن في الحلم , في البراءة , في الخيال وكأننا نجمةٌ تنام على هدب غيمة،أو عصفور يلهث حاملا قشة يبني بها الحياة .
قد نقول أكثر حين نتحدث عن الطفولةفي أي مكان طبيعي في هذا العالم ، ونغرق في دراما الوصف الحسي لمرحلة البدء في شقطريق الحياة ، لكننا في فلسطين اعتدنا أن نكون حالة استثنائية في كل شيء حتى فيسمات طفولتنا التي تختلف كليا عن أي طفولة في هذه الأرض ..
أما عن شخصي فطفولتيكانت كمعظم أبناء جيلي يصعب حملها للمسمى الثقيل " الطفولة "
كبرنا وترعرعنا فيظل المواجهات والحجارة والرصاص والثورة الصادقة ، كان جيلنا يؤمن بالوطن أكثر منالحزب وكبرنا وقد صقلت شخصيتنا على ذلك حتى وصلنا لمرحلة لم نعد نرى أنفسها فيهافكل ما يحيط بها قاتم ، وكأن ما كبرنا عليه بات أكذوبة أو هو وهم ، أو نعود لنقولهو حلم ، ولكنه ليس كأحلام الطفولة التي تحدثت عنها أعلاه لدى أطفال العالم . ..
فاجأتنا الحقيقة بأكبر مما نحتمل فخلقت فجوة بين أمسنا وحاضرنا وقد انعكس ذلكعلى كل شخص بطريقة ما حسب معطيات حياته وخطاها وأنا واحد من هؤلاء ، ولكن الفجوة مابين طفولتي وحاضري اتسعت كثيرا حتى ما عدت أذكر شيئا في الهوة المعتمة ما بينهما .

:- ونبقى مع البداياتدوما، القصيدة الأولى (البيان الشخصي الأول)، تجاوزا للخربشات والتعاريج الساذجةللحرف: هل تذكر القصيدة الأولى، الشعور الأول بخلق حقيقي لما يمكن تسميتهقصيدة..
وهل تعتبر أنه من حق الشاعر أن يسقط ما يشاء من شعره،
وفيأي زاوية تصنف ذلك الفعل ؟

***القصيدة الأولى ؟ لنقولها نحتاج لأننعرف كنه البدء ؟
لا أؤمن بشاعر يقول شيئا عن بداياته ويوقن أنه يدركها ، فهذاإما لا يدرك من أين بدأ ويلجأ للتحديد الافتراضي بما يشبه التسنين ( أي تحديد العمرتقديرا ) ، أو أنه يقنع نفسه بأن هنالك قصيدة ما يعتبرها بداية مقنعة له فيسوّقهاللآخرين ويقول ها هي البداية ، تبقى هذه وجهة نظر قد أخطئ فيها وإن كنت أؤمنبصوابها .
لذلك أقول دون تردد أني لا أذكر أي نصٍ كتبته وأعتبره بداية لي .
أما عن حق الشاعر في أن يسقط ما شاء من شعره ، أقول : نعم من حقه ذلك لأنالشاعر قد يكتب أحيانا ما لا يجب أن يُقرأ ، ويستقرئ لنفسه ما يجب أن يكتب .
وفيالحالة الأولى من الضروري أن يخفي ذلك عن القراء كونه ليس مؤمنا بضرورة أن يقرأالآخرون ذلك ، فهل يقدم المرء للناس ما يصنع و لا يؤمن به هو ذاته ؟
وفي الحالةالثانية ، يستقرئ الكتابة بمصداقية مع الذات فيبدو النص المقدم بمثابة واقعة تسردنفسها للقارئ فيتفاعل معها ويعيشها .
الشاعر يشبه الطاهي مع اختلاف المواقع،الطاهي يقدم ما يشتهيه الآخرون من الطعام الطيب المذاق ، والشاعر يقدم للقارئ ولائمالكلام، والقارئ ضيفٌ على الشاعر أن يكْرِمه ويكَرِّمه فيقدم له ما يطيب له فيتذوقهبغبطة إن كان طيبا ، ويمتعض منه إن كان كريها ، لذا من حق الشاعر أن يفكر جيدا قبلأن يقدم الوليمة للقارئ .
وأصنف ذلك الأمر في خانة الحفاظ على جودة الصنع .
أوَ لم يوصِ الرسول الكريم بذلك إذ قال ص : "من عمل منكم عملا فليتقنه"
فهليضام إتقان العمل الذي نقدمه للآخرين ؟ بالتأكيد لا .

:- لنحدد الرؤية أكثر، تقولإنه (من حق الشاعر أن يفكر جيدا قبل أن يقدم الوليمة للقارئ)،
ماذا إذا كانتتلك الوليمة قد قدمت أصلا، ثم اعتقد الشاعر فيما بعد أنها تمثل (صبيانيةشعرية)؟

*** وهل الشاعر نبي ؟ هنا خطأ الجمهور الذي يقرأ حين يصنفالشاعر وكأنه إله لا يخطئ ..
الشاعر إنسان ، له سهواته وهفواته ، قد يقدم رؤيةمعينة من خلال نص أو قصيدة وبعد أن ينشرها يعيد قراءتها فتبدو له بصورة أخرى غير ماأحب
ألا يحدث أن يتزوج الرجل أنثى ما موقنا أنها وهج الحياة ، وبعد حين تفقدالأشياء بريقها فهل يطلقها لهذا السبب ؟ وهذا الحال ينطبق على الشاعر ، هل يطلققصيدته التي انشقت من ضلعه ؟
وماذا إن كانت صبيانية شعرية ؟ ألا يعيش الإنسانمراحله بالتدرج في الحياة ؟
هكذا حال الشعر ، وما نقدمه هو ما تجود به القريحة،وإن حدث وأخرجناه للناس إذن جدنا بما نملك
والحكم في هذه الحالة لا يصبح ملكنابل هو ملك للقارئ حتى وإن ندمنا أننا قدمنا تلك الوليمة وخذلنا أنفسنا في الحكمعليها .

 :- الراحل وشيكا محمود درويش مثلا لم يكن يعترف فيمرحلة ما متأخرة من عمره الشعري بديوان (عصافير بلا أجنحة)، وكذلك فعل قبلهأدونيس،
في حالة كهذه:
*
ما الفيصل؟

*
وهل من حق الشاعر أن يتخذ ذلكالقرار وحده؟
*
أين موقع القارئ في هذه الحالة؟


لا أظن درويشقد تبرأ أو أنكر شيئا مما كتب , قد يكون اعتبر أن بعض ما كتبه خرج عن إطار محدداختاره هو لنفسه أو فرضته عليه الهالة الثورية التي أحاطت بشعره ..
للناسرؤيتها وأحكامها وللشاعر الحق في طبيعة الشعور تجاه ما قدم , وسواء درويش أو أدونيسأو أي من رموز الشعر المعاصر إن كان حدث وأنكروا نصا أو عملا من أعمالهم فالأمرملتبس على الآخرين في ذلك برأيي , فهؤلاء لا يتنكرون لما قدموا وإنما من شدة حبهملجمهور القراء يؤرقهم الشعور ولو للحظة أنهم قدموا شيئا باتوا يشعرون أنهم كانواقادرين على أن يقدموا ما هو أجمل وأفضل وأعتى منه , ومن هذا المنطلق قد يشعرونبالامتعاض فقط وليس بالتنكر للنص , وكأن لسان حالهم يقول : لو عدت لوقتها لقلت هناكذا وكذا وأبكيت هذه التركيبة وآلمت هذا المعنى , وزدت هذا المجاز غموضا ..
وأناعلى ثقة لو فكر القارئ بالأمر من هذه الزاوية سيكون الأمر مختلفا ويتفهم أن للشاعردائما ملكوته الخاص بشأن ما ينزفه منأعمال.

:- فقط ، استأذنك في توضيح نقطة هنا شاعرنا، ليس الحديث هنا عن تبرأ ,أو نكران، بمعنىالجحود، وإنما بمعنى العناية الحقيقية بنضج التجربة، وهذا لا يتعلق بالمجموعاتالأولى للشعراء فقط، وإنما بقصائد في أوج العطاء الشعري،
عن محمود درويش تحديدا،هذا الرأي أُشير إليه بناء على حوار سابق مع الشاعر الراحل أجراه الأديب عبده وازن بجريدة الحياة 2005.

*** تعقيبا على ما تفضلت به من حوار عبده وازنمع العظيم الراحل محمود درويش
ما معنى الحذف هنا ؟قد يكون لدرويش ألف معنىومأرب من كلمة حذف ..
حذف الشيء من قاموسه , أسقطه من حساباته , لكنه مدرج فيأعماله حتى لو اجتثه من كل مكان ..
طالما بات الديوان بين يدي القراء لا يمكنللشاعر أن يستدرك الأمر فيقرر أن يعدمه ..
ثم إن درويش يقول بوضوح أن هنالكقصائد كتبها ولم ينشرها , وقصائد نشرها منفردة ولكن حين أصدر دواوينا معينة لم يدرجتلك القصائد في الدواوين وكأنه يعمد لتقليص عرضها على القراء أو وقوعها بين يدي أقلعدد ممكن من الجمهور ..
له في ذلك أحكامه ولا أخفي أني أفعل المثل ولدي كم كبيرجدا من النصوص والقصائد التي كتبتها في مراحل مختلفة من حياتي وأحاول أن أجعلها فيقمقم يصعب إيجاده وفتحه .. يحدث ذلك مع الكثيرين أيضا .

:- كسؤال فرعي، "نسخةمنقحة"، لعلنا لم نعتد ربما التقاء هذه العبارة على غلاف ديوان شعري،
ولكن شعراءمن حجم أدونيس وسعيد عقل مثلا يمارسونها،
*
ما رأيك بتنقيح ديوان شعري؟
*
وهليمكننا تقمص التجربة الأولى بتفاصيلها للقيام بعملية التنقيح،
*
أم أننا ام أنناهنا أمام إعادة صياغة، ليس بجماليات مغايرة فقط، وإنما بفكر وتجربة مغايرينايضا؟

من الجائز جدا تنقيح ديوان قد صدر , فالمرور على السطور دائماله صورة أخرى كلما تمعنا أكثر وددنا
لو غيرنا ههنا كلمة , وأضفنا ههنا معنى , منالممكن لزوجين أن يعيدا عرسهما
ويحتفيان بذكرى الزواج , أليس كذلك ؟
هو لايغير زوجته ولا هي تبدل شريكها , وإنما يجددان الثوب الروحاني للحياة
وهكذا قديكون التشبيه ممكنا , فالشاعر قد يرغب بأن يبعث روحا جديدة في قصائدٍ قد قدمها فيديوان ما .
وليس معنى ذلك أن هذا نهجا يجب إتِّباعه وإنما هو رغبة خاصة ومنهاج قديروق لزيدٍ من الشعراء ولا يروق لعمرو .
أما عن شخصي فأنا أحبذ التجربة الأولىبما فيها حتى لو احتوت خطيئة , فنقطة البدء
دائما بنظري أجمل وهي الدافع للمضيقدما في الخطى دون حاجة لفرض تجربة وفكر مغايرين،
فالمرحلة التي كتب فيها ديوانما مثلا تختلف اجتماعيا وفكريا وعاطفيا عن مرحلة تالية،
ومعنى أن أفكر بإعادةالصياغة فهذا يعني أني أعيد هيكلة مرحلة كاملة وما دمت سأفعل
فالأصوب في هذهالحالة أن أنجز جديدا يعبر عن المرحلة بما فيها
لا أن أتقمص أمسي وأخرجه بثوبجديد للقارئ قد لا يستسيغه غالبا .

:- أن تكتب، هو أن تسعىإلى معرفة ما سوف تكتبه"، تقول مارغريت دوراس،
جدلية المعرفة والمحو: فالشاعرحسب المقولة السابقة، ينطلق من المجهول في الكتابة، ويتجرد من معارفهالسابقة
ليقدم أدبا خالصا يمثله وحده: لكل من حمل قلما أعلام يتمثل بها على دربالكتابة،
لكن الكثيرين من هؤلاء ينسون ذواتهم في محاولة التمثل تلك، ويقعون فيفخ التقليد، وتكرار تجارب سابقة:
*
ما رأيك، هل على الشاعر فعلا أن يلم ، ليسبالتجارب الشعرية الأخرى فقط،
وإنما بالتجارب الثقافية ايضا من فنون وآدابوفلسفة وغيرها،
*
وكيف بإمكان الشاعر _ المبتدئ خاصة، أن يتحرر من معارفه، وتجاربالآخرين،
ليصل قدس الشعر عاريا إلا من نفسه؟

*** لنفندأولا ما قالته مارغريت دوراس , إذ أن تسعى إلى معرفة ما سوف تكتبه هذا يعني أن ماتكتبه موجود أصلا , وعليك أن تجد النموذج وتملأه بالبيانات ! في الحقيقة هذايشعرني بالانزعاج فدوما كرهت القوالب الجاهزة .
لكن لو قمنا باستبدال كلمة واحدةفي مقولتها ووضعنا بدلا من معرفة " خلق " ما سوف تكتبه , فهذا يعني أنكمن يصنعالقالب لما يكتب , ويخلق الإطار قبل اللوحة , وبهذا برأيي تكون التجربة الإبداعية .
أن تنهل من كافة صنوف الأدب والشعر والفكر , وتخلق لنفسك إطارك الأمثل وتتفننفي رسم اللوحات كما تشاء مع احتفاظك بالقدرة على تشكيل إطار جديد وقتما تشاء .
أما مسألة التقليد وتكرار تجارب سابقة فهنا أضع ذلك في خانة الاجتهاد على تقمصالآخر , لن يراك أحد، سيرى فيك صورة الآخرين .فأين أنت من الإعرابحينها ؟ سيكون الشاعر أو الأديب هنا انعكاسا لصورة الآخر وهذا يفقده صورته .
ونقطة أن على الشاعر أن يلم بالتجارب الشعرية والثقافية وغيرها من فنون وآداب ! هنا أتوقف وأتساءل : هل هذا واجب على الشاعر فقط ؟
ما تفضلتِ به هو واجبعلى كل إنسان يسعى للمعرفة والعلم والفكر وتطوير الذات ويأمل بالارتقاء بذاته،ولكن بالنسبة للشاعر فهو يكتب ليفسر غموض الأماكن والأشياء في قالبٍ فكري يسمىافتراضا " النص الأدبي أو القصيدة".وغيره من المبدعين لهم قوالبهم أيضا باختلافمسمياتها .
أي أن المعرفة والعلم هي عبارة عن قوالب فكرية يشكلها العارفونويحملها الباحثون عن المعرفة لتكون المرشد في الطريق.أما عن الشاعر المبتدئ،فالشعر لا بداية له ولا نهاية , إن فكر الشاعر منذ البداية أن يكون انعكاسا لصورةغيره كما ذكرت،فلن يبدع وإنما سيقدم ما قدمه الآخرون في ذات القالب دون أنتتغير سوى الأسماء، لذا سيكون أول ثناء عليه هو أن نصك ذكرني بفلان في قصيدتهكذا أو كذا. . وقد يخطئ ويظن ذلك مدحا، ولكنه برأيي أسوأ ذم , فأن ترى الآخر فينصّك مهما كان مبدعا أو أسطورة هذا لا يفرح بقدر ما يزعج ويوجب أن يفكر الشاعر  أنه فشلبخلق صورته الخاصة وقالبه الأدبي الذي حريٌ به أن يصنعه ...
أي أن الشاعر حينيبدأ عليه أن يتجرد من الآخرين , لا بأس أن يمعن ويغوص في تجاربهم , ولكن لا يقدمأدبه أو شعره، من خلال ذات القالب , وإنما لا ضير أن يجعلها عونا له في الخلقالشعري الذي يمهد لولادته .

 

:- قبل الغوص في تجربةشجاع الصفدي الشعرية: تجربة نقدية وحيدة ( قراءة في المجموعة القصصية " اقتلاع (للأديبة الفلسطينية بشرى أبو شرار)،  حدثنا عن تجربة النقد،
ولماذا لم تتكررحتى الآن؟

هي لم تكن تجربة , هي كانت حالة , لأني لست بناقد ولا أقومبدوره , لكني وجدت في مجموعة الأديبة بشرى أبو شرار معاناة معينة خلقت مزجا بين جرحالعراق ونزف فلسطين , فكان ما كتبت هو تعبيرا عن حالة انتابتني أثناء قراءتي لها فيذلك الوقت حيث كانت العراق تتعرض للعدوان والاحتلال وفلسطين تتعرض للذبح اليوميبالآلة العسكرية الأمريكية والصهيونية فعبرت عنها بطريقةٍ ما , ولم تكن نقدا وإنماهي قراءة خاصة لا أكثر .. لذلك قد تتكرر إن شعرت لحظة قراءتي لكتاب ما بالحاجةللتعبير عنه بذات الطريقة ..

:- المشهد ( الدرامي ) في قصيدة شجاع الصفدي يحضر بقوة، الحوار، المونولوج..
بشكل يجعل القارئ أحياناأمام مشهد تطوري في كل قصيدة، وربما بدت مشاهد قصيدة ما امتدادا لمشاهد أخرى قبلها
*
ما رأيك؟
*
خبرنا أكثر عن تجربة الدراما والمسرح في قصيدة شجاعالصفدي،
*
وهل يلفت هذا انتباه القارئ أكثر؟


***وهل الحياة إلادراما مستمرة تمتد طويلا ؟
قبل أن أقول شيئا عن المشهد الدرامي أحبذ تسميةالنصوص بدلا من القصائد ..
النص يحمل المشهد بطريقة انتقالية متسلسلة , فقديمنح المتلقي الغوص في ما قبل وقوع المشهد منذ السطر الأولفيجد نفسه يخوضعميقا وهو بعد على شفا القراءة فتكون لذلك لذة مختلفةفيقرأ ثانية وثالثة إنكان من ينقله عبر أثير النص يجيد سبك المشوار بصحبته،وقد يفر من سطرين إن شعرأن النص لا يعدو كونه متاهة لن تصل به للغموض الشهي الذي يبتغيه .
وعنتجربتي أقول : أنا أعبر المشهد كالطيف فيتلبسني وكأنه مسٌ سحري فأسرقني من أسرالحياة لأكتب للآخرين
خريطة الطريق للموت الشهي , وحين يخرج النص للشمس يكتملنضوج الألم في مخزون الذاكرة .
إذن الدراما في النص هي حيثيات المشهد الذي أقدمه،والمسرح هو الساحة التي يعرض فيها ليتسرب لصدور الآخرين .

وهذا يختصرالكلام حول لفت انتباه القارئ , فلا يكفيني أن ألفت انتباه المتلقي للنص , فإن لمأشعر تماما بأن ما قدمتهقد تسرب بروحانية لنفسه أسقِط النص من حساباتي بقسوةتامة , لأن لفت الانتباه هو انجذابٌ عابر كالبريق يخبو بعد ملامسة اللحظةالحسية, لكن الامتزاج بروح المتلقي ورغبته بالتهام السطور مرة تلو الأخرى وعودتهللنص بعد مرور الوقت بحثا عن شيء يوجعه فيه.
هذا برأيي هو ما أعتبره نصا قيما .

:- القالب النثري لكتاباتك الشعرية، هذا الفن الذي يعد لدى الكثير من النقاد منأصعب الفنون الأدبية،
حيث تصبح اللغة والحس الشعري وحدهما عامل الاستثناءمقابل، (فرص أوفر)
لتميز القوالب الشعرية الأخرى من إيقاع وغيره.

تجربةشجاع الصفدي النثرية، كيف يحددها، وكيف يقيمها؟

*** أنا لا أقيّم ما أكتبولكننيأتعامل مع الكتابة كثورة دؤوبة لتفجير كهوف الذات المثقلة بأعبائها , لاأراها تجربةً بقدر ما أراها قدراً.
كتبت أنماطا مختلفة منذ السنوات التي بدأيراعي فيها بالخربشة الأولى وحتى الآن. ووصلت لقناعة أن الامتزاج بالنص هوالفيصل في جودته , وليس تصنيفه ضمن إطار أدبي يفرض عليه .
نعم النص النثري لهروح خاصة , قد يصهرك وإياه في بوتقة واحدة فتشعر وكأنه يقولك ويحكي مابمكنونك وهذا يجعل القارئ يميل له أكثر من القصيدة المنظومة , ليس لأن النثرأرقي أو العكس , فكلاهما فن أدبي خاص له كيانهالمستقل الذي يدافع عنه بجبروتوقوة , ولكن لأن النثر يسلب القارئ ليجعله أكثر اندماجا بالحدث الذي يتخلله النص .
وقد توجهت لهذا الاتجاه قبل بضعة سنوات وتغلبت الحالة النثرية بشكل كبير علىأي صنف آخر .
لذلك أنا لا أصنف نفسي شاعرا بقدر ما أصنف نفسي ناثرا , وبهذهالحالة يكون المدى مفتوحا
فأنا أكتب المقال السياسي وأكتب المقال الساخر وغيرها ،لذلك فلقب الشاعر قد يجعل المجال محصورا على أفق محدد، بينما أحب الغوص في آفاقمتنوعة أصنعها وأخلقها بالشكل الذي أرتأيه مناسبا،
والمهم برأيي هو أن يكونالأديب بعيدا عن الإسفاف والابتذال في أعماله , وأن يقدم النص محبوكا بشكل راقٍ منحيث الفكرةوالمضمون , والأهم من حيث الإحساس , إذ أنه حين يقدم عملا هو ذاتهكتبه فقط ليخرجه للجمهور ليضاف لرصيد أعماله فهذا يعني أنه يقدم جمادا لا حياةفيه مهما بلغت دقته اللغوية , بل فيه ازدراء للقراء .
أؤمن تماما أن على الأديبأن يقدم النص بإحساسه , يخرج من روحه جسرا يعبر النص فيه لأرواح الآخرين ويحثها علىإدراك مواطن الوجع .
وهذا ما أطمح وأسعى دوما لتحقيقه في أي نصٍ أقدمه , وأقر أني مؤمن تماما بالأسلوب الأدبي الذي أتبعه
وأؤمن أني لا أتقمص أحدا سواي،  وأتجرد من أي قوالب جاهزة تماما , فالمهم كما قلت أن تشتغل على النص والعملالأدبيليخرج كما يليق بقرائك , وليس المهم أن تركض لتكتب نصا يدخل ضمن دائرةالتصنيف المبجل، في حين يسقط من أول نظرة يمر بها القارئ على سطوره

:- في مجموعتك الأولى " أتكئ على حجر " ، يشعر المتلقي أنه أمام شاعر "نخبوي"،
يوظف أبعادا أسطورية قدلا تكون في متناول فهم القارئ العادي، ويشكل منها أداة تعبيرية
عن معطيات عالمهالخارجي وهواجسه الداخلية. بينما نجدك في المجموعة الثانية " للألم بقية "أكثر قربا
من القارئ العادي، وهذا ما نلمسه أيضا في المجموعة الصادرة قريبا بإذن الله "سفر في الفراغ"،
حيث يتضافر عمق المعنى مع بساطة الأسلوب ومتانةاللغة.

صف لنا أبعاد كل تجربة، واعتباراتها الخاصة..:

*** لكل سفر يبدأه الشاعر نقطة بدء , تشبه الشرارة التيتجعله يفكر بأن نصا معينا هو البداية لجمع ديوان أو مجموعة شعرية تحمل مضموناوأفكارا تتناسق في فلسفتها ونهجها.
وعن ديوان أتكئ على حجر , لم أوظف الأسطورةكيلا تكون في متناول القارئ العادي كما قد يظَن
وإنما كان توظيف الأسطورة عبارةعن إسقاط الخيال على الواقع ليصف حالة الإنسانية من عدة زوايا
فتجد الخيانةمجسدة عبر أسطورة إنانا والراعي المقدس , وتجد الصديق أنكيدوالذي يشكل الضميرالإنسانيلدى جلجامش الباحث عن الخلود , وتجد  المشتت الفلسطيني في غربته يحلم بالوطن البعيد  في قصيدة أتكئ على حجر, كانت النصوص تشكل حالات سلوكية بشريةمن خلال توظيفهاوإسقاط الأسطورة على تركيبتها , ومن ناحية أخرى فديوان أتكئعلى حجر يعتبر حافزا للكثيرين للبحث والاستمتاعبالمعرفة والفهم , فهنالك قارئقد يعجبه الديوان ويندمج بالقراءة وعند عدم فهمهلرمز ما سيكون لديه الدافعليبحث ويفهم وهذا يكونقد خدم القارئ معرفيا وفكريا بشكل أو بآخر ..فهنالك فارقكبير بين التعقيد اللغوي المحبط والمنفروبين الغموض السردي المثير والحاث علىالتقصي والبحث بغاية إدراك التفاصيل الدقيقة للنص.

أما عن مجموعة " للألمبقية " فقد كانت نصوصا حملت مرحلة معينة سبقت ديوان أتكئ على حجر
وكتبت معظمهاقبله بأعوام , وكانت تجسد الحب بمنظور برئ وحالم أكثر مما هو واقعي , وكأن رؤيةالشاعر فيها هي أمنيات تحمل إنسانيته المجردة فأينعت كما تزهر وردة في عرضالصحراء لكن حظها أن حرب الحياة الطاحنة تدور رحاها فتدوسها سنابك الخيل وتضحيالوردة مسحوقة وتتناثر مع غبار الحرب و الحب الأسطوري المزعوم .
والسبب في أنالقارئ قد يحبذ للألم بقية فالمسألة أن الذوق ألوان لا يتفق به اثنان , وكلٌ يبحثفيما يقرأ عن ضالته ومن يعشق يبحث عن الوردة في قلب الصحراء ويتعامى عن رحىالحرب وسنابك الخيل , وهذا حقه فالحلم عند الحبأكبر من متسع ما نملك منخيال.

مجموعتي الثالثة "سفر في الفراغ " والتي تأخرت في الصدور بسبب الحصاروعدم دخول ورق الطباعة لقطاع غزة تحمل الحب بثوبهالواقعي , وكأن لسان حالالمرحلة ينطقها ويكتبها , فتأتي كحالة من التدوين التأريخي للسفر , ولكنه سفرٌ فيفراغات الحياة
التي تكشفت للشاعر بعد أن تعرت الحقائق لتسدل الستار على المشهدالأخير .


 :- الأنثى.. الجالسة دوما على حقائبها في شعرشجاع الصفدي، تبدو العلاقة بها ملتبسة أحيانا،
فقد ترتدي أثواب النكران تارة،وثوب ضحايا القدر تارة أخرى، ولكنها في الغالب تُلمَح كنجم ينطفئ بمجرد أن نلتقطه،

حدثنا عن تلك العلاقة الملغومة بين الشاعر والأنثى،

وهل النساء(جميلات عن بعد ، ولكنهن بعيدات عن الجمال)؟



*** تجلس علىحقائبها تتأهب للسفر , فلا هي مسافرةٌ ولا هي باقية , يأتي قطارٌ ويذهب ولا تبرحمكانهافي صالة الانتظار مما يجعل العلاقة هنا ليست ملتبسة بقدر ما هي ضرب منالجنون ..
ترتدي أثواب النكران حين يصيبها برد انتظاره فتقف حين يأتي القطاروتوشك أن تغادر فلا تطيعها قدماها
فتجلس مرة أخرى على الحقائب تسند يدها علىرأسها وتبكي , في الحين الذي يركض هو في النفق محاولا منع القطار التالي من بلوغالمحطة غير مبالٍ باحتمالية سحقه , تاركا كل الأحداث للقدر يحددها وهكذا يكون هوالراحل أبدا ضحية لحبهاوتكون هي المنتظرة أبدا بلا جدوى ضحية القدر .
إجمالا هي ليست نجما ينطفئ بمجرد أن نلتقطه , ببساطة فالنجمة التي تلتقط لاتكون سوى أكذوبة عابرة لا بريق لها، وإنما لنقل هي أفقٌ كلما ركضنا إليه وأملنابلوغه فرّ من ناظرينا وابتعد ونواصل سفرنا إليه ويواصل سفره إلىالمجهول.

وأخيرا هنا أقول: " النساء جميلات عن بعد , لكنهن بعيدات عن الجمال "

الوردة التي تقطفها تفقد عبيرها وجمالها وهي بين يديك , لكنها ما دامت على الغصن فهي مبهجة لها عبيرها الحي النابض , وأقول:  إن شئت ألا تفقد الوردة بريقها عليك أن تخلق لها حديقة تكون أنت من فيها وحدك من يرعاها ويرويها  , وهكذا لا تصبح  الوردة مشاعا للآخرين إن ظلت على الغصن  , ولا حاجة بك أن تقطفها فتفقد بهجتها .

أيكفي ذلك ليقول الأمر بشكله المنطقي ؟

:-  في الحقيقة ، هو لا يكفي !! بل يؤكد حاجتنا للقاء ، أو بالأحرى لقاءات أخرى.. لنعبّ من حضورك الجميل وفلسفتك المتفردة..

شجاع الصفدي ، كان فرصة استثنائية لي هذا اللقاء، آمل ألا أكون أرهقتك كثيرا..

شكرا لك..