قصتي مع الرياضيات

 

كنت وما زلت أكره الحساب والرياضيات وأتعجب ممن يجدون متعة في حل المعادلات الرياضية , لربما أن المعادلات الأدبية والفكرية والتي تحتاج لجهود ذهنية وأفكار يتفتق عنها العقل هي أكثر متعة وفائدة من جدوى المعادلات الحسابية البغيضة ,
ويعود بغضي للرياضيات للصف الأول الابتدائي , حيث كنتُ متفوقا جدا
في مرحلة دراستي الابتدائية , المهم أنني كنت في مدرسة مشتركة تابعة لوكالة الغوث وكانت معلمة الرياضيات مسيحية شقراء وجميلة , ولم نكن حينها نميز في هذه الأمور ولكننا أشقياء وكنا نكثر دوما من الأسئلة المحرجة , وقد سألت المدرسة سؤالا جعلها تعاقبني بطريقتها الخاصة ,وكان سؤالي : لماذا تلبسين تنورة قصيرة كهذه ومدرسة العربي تلبس كيسا أسودا طويلا ( الجلباب) _ فلم أكن أعرف اسمه _ ؟
وكان سؤالي بريئا ليس لأن المدرسة مسيحية وإنما لأني كنت أقارن بين جمالها وقوامها الرائع وبين بشاعة مدرسة العربي وقوامها البشع فهي تزن نصف طن ربما , المهم أن السؤال اغضب مدرسة الحساب ولا أعرف السبب وطلبت مني أن أنزل تحت المقعد وأجلس القرفصاء ولا أتحرك وكانت مقاعد المدارس التابعة لوكالة الغوث عبارة
عن ألواح خشبية تورم الظهر ويشترك كل اثنان في مقعد واحد مسنده لوح خشبي وقاعدته لوح خشبي آخر ولوح ثالثا نكتب عليه وكل ذلك على قواعد حديدية , المهم أنني كنت أجلس في المقعد الأمامي والملتصق بالطاولة المخصصة للمدرسة وهي أيضا عبارة عن عدة ألواح من الخشب كقاعدة مثبتة على أربع أرجل خشبية لا شئ يربط بينها , ونزلت منفذا عقاب مدرستي  وكانت تجلس بطريقة لم أكن أعي شيئا منها آنذاك , فقد رفعت ساقيها على الطاولة فنحن بنظرها مجرد أطفال صغار لا نفهم شيئا وصدف أن نظرت في اتجاه الطاولة من الأسفل بحكم جلستي المؤلمة بوضع القرفصاء وهالني ما رأيت ولم أستوعب ما هو ذلك في البداية ولكن المنظر كان مهولا لطفل في السادسة من عمره حيث كانت المدرسة
لا ترتدي لباسا داخليا ومن شدة فضولي قفز سؤال مُلِح لعقلي وصممت أن أبادر بتوجيهه للمدرسة مهما كان الثمن , وهكذا رفعت رأسي بحدة للأعلى فكانت الزاوية الحديدية للمقعد بالمرصاد فَشُجّ رأسي نصفين , فحملوني بلا وعي إلى المستشفى وعرفت فيما بعد أنني احتجت لعدة غرز في رأسي , وبقيت أسبوعا في المنزل ووالدتي تدللني بما لذّ وطاب من الطعام ولم يخطر ببالها أبدا أن السبب فيما حدث لي هو سؤال برئ كنت أريد أن تجيبني مدرسة الحساب عليه , طبعا عدت إلى المدرسة وبدأت حصة الحساب فاحتضنتني المدرسة وقالت أنها لم تكن تقصد أن تعاقبني وأني تلميذ مجتهد ومتفوق وطبعا سعدت بثنائها ومديحها أمام التلاميذ الآخرين فراودتني فكرة شريرة , أن الوقت مناسب جدا لأن أسأل المدرسة سؤالي بما أنها راضية عني وتحاول أن تصلح غلطتها بحقي عندما عاقبتني , وهمست لها : أبلة هل لي أن أسالكِ سؤالا صغيرا ؟ فقالت : تفضل حبيبي اسأل , فأخذت الأمان وقلت لها : رأيت شيئا حين كنت تحت الطاولة فهل هذا المكان هو الذي يخرج منه الأطفال ؟ قلتها ببراءة شديدة وإذ بالمدرسة يحمر وجهها خجلا وتتلعثم ولم ترد ولكنها اتخذت إجراءات وقائية وأهمها أن جعلتني أجلس في المقعد الأخير وبدأت في التسلط عليّ بأفظع المسائل الحسابية حتى أنني في ذلك الحين ظننت أنها توشك أن تعطيني نظرية فيثاغورث وأنا في الصف الأول الابتدائي وهكذا جعلتني اكره مادة الرياضيات مع أني أعتقد لو أنها أجابتني لكنت الآن عالما رياضيا فذا , ولكي أنتقم من معلمتي المحببة بدأت بالاجتهاد في دروس اللغة العربية عند مدرستي التي تزن نص طنا وهكذا تفوقت في كل المواد إلا الرياضيات طوال سنوات الدراسة وحتى في الجامعة كانت هنالك مواد متطلبات متعلقة بالرياضيات كنت أحصل على معدل النجاح فقط وهكذا أصبحت عاشقا للغة العربية بقدر ضيقي من مدرستي لها في الابتدائية .