ذلك الإرث الثقيل - لروح درويش في غيابه الأول

 

 

قل للحياةِ وأنت هناك في البعيد : يا حياة ، كم مرّةً أجهضنا أحلامنا لنسافر نحو الحقيقة حتى صارت السماءُ بمتناول الأيدي ؟

وحين قيل لك : ستموت هنا هذا المساء ، تزيّنت للزائر القادم ، وهيّأتَ المائدة لاثنين ، وتزيّنتَ بثوبك السماويّ الأزرق ،

 بل وجهزت مراسيم الجنازةِ والكمنجات وقصيدةً ملوّنةً لكنها محاطة بالبياضِ وكأنك تدرك نقاء النهاية.

 

 

وأتى ، شربتَ معه نخبك ، وأمسكت بيده ومضيتَ تدلّه على الطريق كأنك كسارة ثلجٍ تخوض حربها ضد البرودة ،

 أو بقعة ضوءٍ تسافر في الكونِ لتحقق أحلام الكواكب .

 

أتى الموت في موعده ، لم يتأخر الزائر الأقرب، وكان  سخياً  منحك الوقت لترثي الختام فلم  يوجعك شيءٌ على باب القيامة .

 

كنتَ الشخص الوحيد الذي لم يبكِ في الجنازة ، كنتَ الغريب الذي حمل صندوقه السحري

 ومضى يبحث قبل الرحيل عمّن يحمل الإرث الثقيل بعده .

 

تركتَ أشياءك لنا ، كتباً كثيرة ، وزجاجة عطرٍ ، وحقيبة صغيرة بها أشياء تخضع لبند السرية المطلقة ،

 وتذكرة سفرٍ مفتوحة إلى الحياة .

 

ووصلت النهاية ، أكاليل وردٍ  تحيط بك  ، والحاضرون كلهم يبكون ، وخلفَ المنصةِ كلامٌ يملأ النقصان ،لكن عبثاً ،

 فالتشييع لن يتم إلا باللحن الذي تريد .

 

فالمثول أمام المنصة لرثائكَ يشبه المثول أمام محاكم التفتيش المقدسة .

والقصيدة في غيابك كامرأةٍ محظيةٍ تَمْثُل لتعترف ، فإن صدقتْ حوكمت بالموت ، فأصبحت كاذبةً تقول الحقيقة ، كل الحقيقة .

 

أسمعك الآن تتلو نشيد الخلود ، وفي صوتك يرنُّ الوجع المقدس ،تتكئ على جدارٍ ساقطٍ في الروح  وتعلن أنكَ لست لك ، أخذناك منك ،

 وكان لنا إرثك الثقيل يوجعنا في غيابك .

 

9/8/2009