في عتمة عمرٍ تسبح وكأنها انعكاس قمرٍ على سطح البحيرات ، يمر بقربها العابثون في زحام الليالي فتقول بكبرٍ: أنا نجمة النجمات ، وسيدة الأميرات فلا تسكنني روحٌ عابرة ، ولا يؤرقني طيفٌ عابث .

 

أطل عليها من بعيدٍ كالصبح حين يُغرِق الكون بعصافير الغناء ، وأمضي في رحلةِ يومٍ يشق عليّ حمله ، بلا مأوىً سوى فضاءاتي ، بلا أملٍ غير أن لهذا السفر غروباً آخر فيه فرصةً تالية لاصطياد الحياة .

يناديني صوتها كغامضٍ يأتي بأغنيةٍ تحرك قعر البحيرات ، فتعكس صورتي  فيها وكأنها مرآتي وتقول:

 يا مسافراً  في رحلة الأبدِ اجعلني أذكرك دائما .. و ضعْ رأسك بين ضلوعي لعلّي أشفى من سقم الضباب الكثيف وتُصبحَ علّتي .

كن الهضاب من حولي ، وكن شروقاً يحمله الحلم فأذكركَ في صحوي ، حزينًا وفيًا ، كلما ودّعتني في سفركِ بليلٍ جديد .. يأتي ظلامٌ يا حبيبي ويذهب، وما زلت تشبك ذراعيك حولي تلفني كمجدافين لا يمضي دونهما القارب ، هكذا أذكرك دائما وأمضي إلى حتفي .

 

 

وأعودُ من وهمي : أيا عصفورتي لم أعد فتياً على الطيران ،وأنتِ كوكبٌ  جميلٌ يحلّق في الفضاء ، فكيف السبيل للخلاص وقد أفلت نجماتي وما زلتِ قمراً ينعكس على سطح البحيرات يغوي الليالي .

 

 

ثم تأتيني  تمتطي غيمةً في السماء تمطر قولها :

يا صفصافتي التي لا تموت ، كن حطباً يدفئني ، كن غصناً في شراييني ، كن أنت كل شيء واجعلني ضفاف القصيدة لأزهو بانتصاري مرةً واحدة في رحلتنا الطويلة .

 

 

لا شيء يُسكت الغناء حين يقيتُ حنجرتي ، لكنني يا قمري الذي لا ينفك يثير نشوة الليلك ، لم يعد بوسع قلبي أن يفسح الطريق لتعبريه ، ما عدت أفرح لهمس الصباح حين يداهم السهول التي لم تنضج رغبتها بعد .

 

 

توقف ، كفاك تقتل الأحلام  وترميها في فضاء روحي المسافرة ، كفاك ترحل وأنا فيكَ باقيةٌ  كنسيج الذاكرة ، كفاك  تكتب التراتيل الحزينة وقد مرّ من العمر ما يكفي لدفن الأغنيات ، كفاك ترحل في دمي فلا أعرف إن كنتُ باقيةً  في البعيد أم أنني في قلبك لم أزلْ حاضرة .

 

 

هذا المساء يأبى الاعتراف ، فحاذري البرق إن تمخّض عن لعنةٍ  أو قصيدة ، وعانقي النسيان كلما أويتِ لفراشك الوثير  ونامي كذكرى ، فكلما زاد حزني في غيابكِ كلما احتدم جدلي والعاصفة ، واحلمي بأميرٍ غيري فقد كسرت التاج منذ زمنٍ ولم تعد تبهرني  نجمةٌ تسقط من مدارها، فأنا فقيرٌ يحبٌ الغناء ، وأنتِ قمرٌ يمتطي الغمام  فيسقط كلما شاء المطر .

 

27-4-2009