صوتٌ من المذياعِ  يعلنُ انتهاء الحرب

 انسحابُ الموتِ قليلاً  للوراء ، شعاراتٌ هنا ، انتصارٌ هناك ..

 وجثثٌ ترثي نفسها بنشيدٍ يحتله أزيزُ الطائرات ...

أبحثُ بين الأشلاء عمّا تبقى مني أو منها

وألومها بأنانية :كيف تبعثرها القنبلة وأنا أسكنها ؟ .

لا جواب .

 

***

نبضٌ من المرآة : يا أنت ، يا سيد الكرب لا تعبس ، غنِّ لنا ما شئتَ من أغاني الغرام،

إنّك الملاكُ بلا ذنبٍ رغم الخطيئة ،

واكتب على القبر أنّي أحببت الغناء

وخبّئ لي في زوبعة النشيدِ عوداً يصنع السكَناتِ والهمسات.

 

***

مشهدٌ صباحي :

 أشربُ الحليبَ كما الصغارِ كما جاءَ في الوصية  :

 " كن طفلاً عابثاً ونَلْ حظّك ما شئتَ من الهوى".

 

***

مشهدٌ في المساء  :

 أشعرُ بالجوعِ وأوبّخُ نفسي أن سمحتْ للغريزةِ أن تُعلن حاجتها ،

وأفكر :تُرى أتناولتْ طعامها أم أنهم هناك قد انتصروا على رغبة الأمعاء ؟

ويمر الوقتُ في الفكرةِ فأنسى ما أريد وأمضي مرةً أخرى ، وحدي .

***

بعد منتصف الليل ، أتكئ على شيءٍ

وأحدهم يُمسك بذراعي ،

لا أعرف السبب..!

تدور برأسي ألف فكرة :

هل اعتقلت بجريمة الحب أثناء الحرب ؟

لربما أقاد إلى المشفى بتهمة الجنون،

إذ ضبطتُ أخاطب حجرا في مقبرة .

أنظر للغريبِ فيبتسم لي ،

أتنفس الصعداء .

فيقول : ما زلتَ فتياً يا بني على هذا

فاستيقظ .

وكأنّي به يقول : نَمْ

فتركته وأوغلتُ في الغياب .

 

***

صباحٌ جديد

تحت مظلةِ هدنةٍ غير واضحةٍ والأفقُ أسود ليس هنالك شيئا يغيّره

والأرضُ على حالها تصرخ :

لم أعد لكم، لم أعد لكم

كأمٍ غاضبةٍ خذلها أبناؤها ،

رحلوا فبكت أملا أن يعودوا بمآثرٍ تمحو سوادَ الجباهِ المَحْنية في ساحةِ الموت.

***

تنام مدينتنا لا تملك فرحاً لتلبس ثوب انتصارٍ أهدي إليها قسراً

وتخاف أن نُفضي بسرّها المحجوبِ

فينطفئ قنديلٌ آخر في لجّ الهمومِ

وتصمتُ الأشياءُ

كل الأشياء .

لم تَكُنْ تعرفني ،

ماتت في الحرب،

بلا أبٍ هي

بلا أمٍ

بلا أصدقاء !.

طوت صفحتها قانعةً بأنّها لن تُسبب حزناً لأحد.

أسامحها ، لم تكن تعرفني

لكني منذ رحيلها  لا أسكن شيئاً في الكونِ سوى حزني

***

 

صباحٌ أخير :

لا أعرف طريقي جيداً

فأعود للمذياع

لأدرك وزر خطواتي

لم أعد هادئا حالما

أهرب للغناء ليشدَّ أزري :

"صامدون هنا ، صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم "

يُقاطعني صوت المذياع  ليبتر مني ثقتي:

 لقد انتصر الدم على السيف.

أبتسم بمرارة،

أتذكرُ دماً لم يجفَّ بَعدْ

ومُصطبة بكيتُ عليها طويلاً

وأقول : انتصر الموتُ على الحب

ويظلّ الأفقُ أسوداً ، ولا سماء .

 

 

شجاع الصفدي

10-5-2009